Thursday, June 22, 2006

الأتقياء أكثر إحتلاما بجسد الشيطان !

العنوان ليس لى ، فهو كلمة للراحل " عبدالله القصيمى " وضعها كعنوان لأحد أبواب كتابه المعروف " هذا الكون ماضميره " والذى لا أزال أقرأ فيه منذ حوالى ثلاثة أشهر على فترات متقطعة ، ولم أنهيه حتى الآن ، فكلمات القصيمى يصعب على الإنسان أن يستوعبها من الوهلة الأولى ، ليس لصعوبتها أو عمق معانيها ، وإنما لكونها مباشرة وصادمة وباعثة على التأمل والشك ! .
فى هذا الباب الذى إقتبست منه الفقرة التى أسرتنى لكونها تمس ما يحدث من حولنا فى الصميم ، من منع وحظر وأمر ونهى وتحريم وزجر من قبل من يزعمون أنهم مفوضون من قبل الإله لإصلاح أحوال أهل الأرض ، وهم فى داخلهم أفسق الفساق وأعتى الفجار كما يرى القصيمى .


لن أطيل أكثر من ذالك ، ففى حضرة القصيمى يجب علينا أن ننصت جيدا قبل أن نناقش على الرغم من أنه هو الذى يدفعنا الى التفكير الحاد والنقد اللاذع لنظمنا وقوانيننا وعقائدنا وآلهتنا وثوابتنا وتفاهاتنا وأنفسنا كذالك قبل كل شىء ، وهو الذى دعى الهيئات الدولية للقيام بعمليات تشكيك شاملة على المستوى العالمى ، لكى يدرك الناس من خلالها أن ما عندهم من الآلهة والمذاهب والعقائد والنظم والتفاهات ليس بأفضل ولا أصدق مما عند غيرهم كأسلوب من أساليب الدعوة إلى السلام والحب العالمى وخلق ظروفهما ، وأسلوب من أساليب مقاومة البغضاء والتعصب والحروب .
يقول القصيمى فى نقد من نصبوا أنفسهم حكاما على سلوكيات الناس وضباطا لأخلاقهم :-
" ...
إن إحتقارنا الضاج أو المعبر للشىء ، ليس سوى إعلان عن إحساسنا العميق به أو بالحاجة والجوع إليه .
ولهذا نجد دائما الدعاة الكبار الذين أرهقوا أو أذلوا تفكير الإنسان وأخلاقه بالتحريم وبالمناهى وبالشرائع التى كادت تحرم قدرة العين على أن ترى ، وقدرة الأذن على أن تسمع وقدرة الأعضاء على أن تشتهى ، وقدرة القلب على أن يجوع أو يخفق ، إنما كانوا - أى أولئك الدعاة الكبار - من المحرومين أو العاجزين أو المتهيبين .
لقد أغرقوا السفينة التى لم يستطيعوا الركوب فيها ، وبصقوا على المائدة التى لم يستطيعوا الأكل منها - أى لقد حاولوا أن يفعلوا ذالك .
إن الذين يأمروننا بالمعروف ، وما المعروف إلا حرمان فى الغالب ، ويسدون إلينا النصائح والعظات القوية ، وينهوننا عن المنكرات التى تعشقها نفوسنا ونفوسهم والتى لا يستطيعون أن يستفيدوا منها إنما هم فى الأغلب قوم تحركهم الغيرة منا لا الحب لنا ، إنهم يريدون أن يحرمونا مثلهم ، لا أن يدخلوننا الجنة .

ما أكثر المعلمين والأتقياء الذين تنهمر اللعنات الطيبة من أفواهمم على المرأة مثلا لأن تصوراتهم المحبوسة على نفسها تتزاحم فيها أسراب النساء المزدحمات أعضاء وفتونا وأسرارا أخرى ، بعيدة عن مواقع أيديهم وأشواط قدرتهم ، وما أكثر ما تنطلق لعناتهم على القوة والنجاح والمجد واللذة وسائر المباهج مغموسة بشهقات الشهوة والثناء المتنكر ، منبعثة منها روائح الحريق المتضرمة بأشلاء عفتهم وطهارتهم الباكية الحزينة .
إنه لن يصاب بمرض البغض والعداء والوعظ المتوحش ضد اللذائذ والنجاح والقوة وسائر المباهج القوية إلا المصابون بالحب العاجز عن الممارسة .
والذين يفعلون اللذة المحرمة لا يحبونها كما يحبها الذين لا يفعلونها .
ولكن لماذا لا نستقيم من الداخل والخارج ، أو لماذا لا نستطيع ذالك ؟
لأن الإستقامة هى الا نصطدم أو نتناقض مع أنفسنا ومع الآخرين أو مع الطبيعة .
وهل يمكن أن يكون هناك وجود بدون تصادم أو تناقض ؟
إذن هل يمكن أن نستقيم بسلوكنا أو برغباتنا وشهواتنا ونياتنا ؟
الوجود تصادم ، والتصادم ذنوب وتلوث
.."
ما إقتبسته كان الفقرة الأخيرة من الباب المذكور من كتاب " هذا الكون ما ضميره " ، وهو الكتاب الذى قيل أن العيب الوحيد فيه هو أنه أكبر من المجتمعات التى صدر فيها ! .
توفى القصيمى قبل حوالى عشر سنوات فى القاهرة ، وعلى الرغم من آثاره الرائعة التى خلفها ورائه إلا أنه لم يحظى بالإهتمام الجدير به ، وتجاهله الكثيرون حتى أنخبر وفاته لم يهتم به الكثيرين لدرجة أننى أخبرت عندما كنت أبحث دون جدوى عن أى شىء يتناول حياة القصيمى أنه توفى فى ستينيات القرن الماضى فى ظروف غامضة ، وهو خبر غير صحيح على الإطلاق لأنه توفى فى التاسع من شهر يناير عام 1996 فى القاهرة ، وهو الأمر الذى إكتشفته عند قرائتى لتغطية موقع إيلاف - اليتيمة - لحياة القصيمى قبل ثلاث سنوات ! .
وقد كان القصيمى فى أوائل عمره وهابيا منافحا عن الفكر السلفى ومدافعا عنه ، حتى أنه فصل من جامعة الأزهر فى الثلاثينيات لرده على كتاب لأحد أساتذتها ينقد فيه التوسل بالأولياء والتبرك بالأضرحة وهو الأمر الذى كان يدافع عنه " يوسف الدجوى " فى كتابه " التوسل وجهالة الوهابيين " والذى رد القصيمى عليه بكتاب آخر هو " البروق النجدية فى إكتساح الظلمات الدجوية " والذى تسبب فى فصله من الجامعة .
ولكن القصيمى تحول - فكريا - بعد ذالك عندما دخل فى طور التحرر والشك فى الثوابت والموروثات ، والتى إتضحت فى كتابه " هذه هى الأغلال " وهو الكتاب الذى يعد وثيقة تحوله عن الفكر الوهابى إلى الفكر المتحرر المتشكك فى كل المفاهيم التى عدت ثابتة فى المجتمعات العربية .
سجن القصيمى وتعرض لمحاولات إغتيال ، ولكن ذالك لم يثنيه عن الطريق الذى إختار السير فيه .
حاولت كثيرا الحصول على أى من مؤلفات القصيمى دون جدوى ، فمكتباتنا العريقة أصبحت تهتم بنشر الكتب التى تحتوى على الغث من الأفكار المغيبة للعقل ، إلا أن الحظ إبتسم لى عندما وجدت ثلاثة من مؤلفات القصيمى فى رفوف مكتبة الإسكندرية : " كبرياء التاريخ فى مأزق 089.927 Q98 2001" ، " هذا الكون ما ضميره 146.3 Q98 2001" ، " فرعون يكتب سفر الخروج 113.8 " ، وكتاب آخر من فترة ماقبل التحول هو " الصراع بين الإسلام والوثنية 297.8042 Q98 1937 " .
وقد إعتبرت هذه المؤلفات كنز يجب أن لا أفرط فيه خاصة أننى فشلت فى العثور عليها فى أى مكتبة أو معرض كتاب داخل مصر ...
القصيمى يستحق أن يقرأ له ، لا من أجله هو ، بل لأنه يستفزك لكى تفكر فى كل شىء ، بل إنك تجده يدافع عن الفكرة ونقيضها بنفس الحماس لكلا الفكرتين المتناقضتين ، وهو أمر نفتقده عند الكثيرين من الكتاب الحاليين الذين قد نصنفهم على أنهم معتدلين لأن دفاعهم عن وجهة نظرهم دفاع معتدل غير حاد .. ليس إلا !!! ...
القصيمى لم يمت ، وإن كانت هناك جهات كثيرة تسعى لقتله بتجاهل التراث الخالد الذى خلفه .

كما أن هناك من يحاول الإساءة اليه على إعتبار أنه ملحد ، وهو أمر ليس لأحد أن يتدخل فيه بحكم أن إيمان شخص أو عدم إيمانه أمر داخلى قلبى لا يمكننا الإحاطة به ، فى الوقت الذى لا يحق لنا أن ننتقص من إنسان حتى وإن كان عابدا للحجر ، وقد تعجبت من هجوم بعض المتطرفين الوهابيين الذين لم يجدوا شيئا يواجهون به القصيمى سوى التشكيك فى أصله والإدعاء بأن جده كان قد هاجر إلى القصيم من صعيد مصر أثناء الحملة التى شنها محمد على على الحركة الوهابية فى شبه الجزيرة العربية ! .

إن كان الأمر حقيقة - على الرغم من أن الإنسان فى كل مكان هو الإنسان - فلنفخر بأن القصيمى من أصل مصرى ، ولنفخر بأن البلد التى مات ودفن هى مصر ، وهنيئا لكم يا أعداء القصيمى براءتكم منه وهنيئا لكم وجود الشيخ عبد المحسن العبيكان صاحب فتوى جواز الإستعانة بالساحر لفك السحر بينكم .... وهنيئا لنا أن يكون القصيمى واحدا منا ...

كريم عامر